لم أرتدِ حذاء بـ "كعب عالي" منذ كنت في صفي الثالث الاعدادي ...
عندما تخليت عن الكعب العالي كنت أشعر بحالة من الطيران الرقيق .. أكاد لا ألمس الأرض وصارت خطواتي أسرع وكنت ممتلئة بثقة لا أعرف مصدرها وأصبح لدي من الحماس ما يجعلني أشعر أن بامكاني ان أحقق كل شيء فقط كل ما عليَّ هو أن أحلم ... عندما تخليت عن "الكعب العالي" تيقنت أن ارتفاع "الكعب" يتناسب عكسيا مع حجم الأحلام والأمنيات ... عندما خلفت ورائي "الكعب العالي" صارت أحلامي أكبر وازداد عمق أمنياتي ... عندما تخليت عن "الكعب العالي" رأيت الأشياء وتعارفت على العالم وأدركت أنني كنت منشغلة عن الكون بحذائي ... يالسذاجتي عندما يمنعني "كعب" حذاء من رؤية العالم !!!
ألهذه الدرجة يكون تأثير حذاء بـ "كعب عالي" على حدود الرؤية وحدود الخيال ويفوت على العقل فرص اكتشاف أشياء جديدة !!!!
كان لدي من الشجاعة اليوم ما يكفي للقيام بأمر لم أجرؤ على القيام به منذ ما يقرب من عشرة أعوام ... ابتعت حذاء يرتفع عن الأرض من خمس إلى سبع سنتيمترات "كعب عالي" ... علما بأنني طويلة بما يكفي لئلا أقدم على هذا الأمر
يقولون أن "الكعب العالي" يزيد الفتاة أنوثة لكنني لاحظت أن درجة حرارة أنوثتي لم ترتفع حتى ولو درجة واحدة ... أنا كما أنا ... الفارق الوحيد أن خطواتي صارت أبطأ فأنا لم أعد أعبأ بسرعة خطواتي أو بطئها فليس لدي مواعيد في البيت الأبيض خلال الأشهر الثلاث المقبلة ولن أحضر اجتماعات الأمم المتحدة وألغيت كل مؤتمراتي العلمية ... لذلك فأنا متفرغة للاستمتاع بخطواتي المتمهلة بـ "كعبي العالي" .....
تيك ... تيك ... تيك ... تيك ...
يشعرني صوت خطواتي بأنني أعلن عن نفسي أمام العالم "أنا هنا" .. "أنا موجودة" ... وعلى الجميع أن ينتبه لوجودي ... يشعرني صوت خطواتي أن الموسيقى ستبقى تلاحقني إلى الأبد وأن بامكاني عزفها في أي أرض دون التقيد بنوتة موسيقية أو مايسترو أو فريق .. فقط كل ما أحتاج هو وقع أقدامي على الأرض
أن ترتدي فتاة مثلي "كعب عالي" بعد مقاطعة جاوزت عشر سنوات أشبه ما يكون بمحاولة "بهلوان" مبتديء في المشي على حبل في استعراض ضخم يؤدى على مسرح عالمي .... عليَّ أن أوظف كل طاقاتي في محاولة غير مسموح فيها بالفشل لحفظ الاتزان ... دائما ما تذهب كل طاقاتي في محاولات حفظ الاتزان تلك لأنني لن أقبل أن ينفضح أمر انكسارات حياتي والتواءات مشاعري على الملأ وأرفض الهزيمة في معركة الموت وقوفاً ... وعلى هذا فقد تكون محاولة حفظ الاتزان في "الكعب العالي" ماهي إلا محاولة بائسة مني للهروب المؤقت من محاولات حفظ اتزان حياتي ...
عليَّ ألا ألتفت إلى العالم ... عليَّ أن أنشغل بحذائي عن العالم
قبل عشر أعوام أدرت ظهري للـ "الكعب العالي" لأفكر فقط في اكتشاف العالم وعندما قضيت عشر أعوام أكتشفه قررت أن أدير ظهري إلى العالم وأفكر فقط في "كعبي العالي"


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق