ذات هيكلٍ نحيلٍ هشٍ متآكل ، تختزن داخل فراغاته كماً هائلاً من الحزن ، ولأن الوعاء الجسدي لها نحيف للغاية فإنه لم يكن ليتسع لخلايا الحزن السرطانية التي تتكاثر بالانشطار الذاتي داخلها دون توقف ، وحين يتعرض الجسد المشبَّع عن آخره بالحزن إلى قوى الضغط اليومية كان يلفظ ما تبقى من المعاناة والألم خارجاً على هيئة "بقع زرقاء على الجلد" .
أصبح أمر تلك البقع عادياً فهي قد اعتادت وجودها على السطح الخارجي للجسد كلوحة سريالية لا يفك طلاسمها إلاها ، كل بقعة زرقاء على جسدها كانت تحكي قصة ليلة لم تعرف فيها النوم وبكت فيها كثيرا وبثت فيها أوجاعها للفراغ .. للا شيء .. للا أحد ، وكما آلفت ذلك الوجع العتيق أصبح مشهد تلك البقع مألوفاً ، كانت راضية ببعض التشوهات بجسدها كنتيجة حتمية لعجز داخلها المنهزم عن احتواء مزيداً من المعاناة ، لم تكن لتقبل بالدمع الذي يعجز دوماً عن محو المعاناة أو مصارحة العالم بأن لها ذاتاً منكسر مهزوم تخفيه ابتسامة شبه مستديمة أو بعض الملابس الرسمية أو يتوارى وراء أحاديث تتغير مابين الجدية والهزل بحسب درجة قرب المتلقي منها ، كانت تلك البقع الزرقاء هي مؤشرها الخفي الذي يطمئنها أنها مازالت تبدو قوية متماسكة أمام العالم وأن الأمر لم يتعدَ حدود الجسد .
ومثلما كانت باقتدار تخفي عن العالم ذاتٍ منكسر وأحزان تضرب جذورها في الروح .. كانت تلك الملابس أيضا بألوانها غير المبهجة تخفي بالاقتدار نفسه تلك البقع التي تفضح أمر هزائمها في معترك حياتها الخاصة .. فلا يفتضح أمر مشكلاتها اليومية وأحزانها الاعتيادية وآلامها العادية وأوجاعها الروتينية ولا يفتضح أمر احتلال البقع الزرقاء للفراغات غير المسكونة في جلدها
عند سؤال أطباء الجلد عن تلك البقع فأحدهم لن يتوانى عن نصيحتك بالابتعاد عن بعض الأطعمة والفواكة التي قد لا تروقك أصلاً وسينصحونك ببعض المضادات الحيوية وربما بعض الكريمات المضادة للالتهاب وربما ينصحك أحدهم بالابتعاد عن الانفعال المفرط ولكن أحداً لن يعرف بأن هذه البقع أو "الطفح الجلدي" أو "الورم" أو "التجمعات الدموية" -لا أدري ماذا يسمونها- تلك البقع ما هي الا نتاج بيروقراطية خلايا الجسد في التعامل مع خزائن الحزن الداخلية المأهولة بالوجع ، وأن كل بقعة زرقاء ما هي إلا آثار معركة داخلية دموية لم ينتصر فيها أحد وبقيت نتيجتها معلقة إلى الأبد .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق