:::عيش حرية عدالة اجتماعية كرامة انسانية ::: الثورة مستمرة::: اللهم أنت ربي خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ماصنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفره لي فانه لا يغفر الذنوب الا أنت ::::

السبت، 26 نوفمبر 2016

مأدبة عشاء للزومبي




في مثل هذا الوقت بتوقيت الوجع كل ليلة تنشط الذاكرة ؛ آلهة المآتم والأعراس ؛ الآلهة الأم لعالم التجارب ؛ الآلهة التي تُحيي من تُحيي في الروح وتُميت من تميت ؛ وحدها الذاكرة تهزم الموت ولا أحد يموت حقاً إلا حين يسقط من الذاكرة ، تنشط الذاكرة استعداداً لمأدبة عشاء تقام على شرفي ، المدعوين جاؤوا جميعا من عوالم آخرى غير مرئية ، يعبرون الخط الفاصل بين عالمي الأحياء والأموات كل ليلة ، ميتون ، لا يتوانى أحدهم عن تلبية دعوة الآلهة الذاكرة ، يصحون من الموت كل ليلة كـ "زومبي" هرب من فيلم أمريكي ، يعبقون المكان برائحة الموت ، أشباحٌ تملأ الليل وحشة أستدعتها الذاكرة من ترابها الأبدي إلى غرفتي لتحولها كل ليلة إلى مقبرة فسيحة تتسع للجميع ، لا مفر من الاختناق برائحة الجثث المتحللة ، أغمض عيني كيلا أراهم وهم يقاسمونني الفراش أو يعبثون بخزانة ملابسي أو يهتكون خصوصية يومياتي .. بلا جدوى .. الظلام يجعل رؤية الأشباح أوضح وأنقى .....
دقت ساعة الوجع معلنةً اكتمال الحضور ، حضروا جميعا إذن بلا زينة أو مساحيق فالأقنعة لا تُجدي نفعاً بعد الموت ، حضروا جميعا كلاً بما تبقى لديه من ثوبه الأبيض الوحيد الذي لا يستر عورات الروح ، تقدمني إليهم الذاكرة لحماً مُستباحاً في أطباق الفضة الفاخرة ، ذلك الشبح الذي يقف هناك في ركن الذاكرة وحيداً ؛ مات لتوه حتى أن الدود لم يفرغ منه بعد ، إنه هناك يلتهم قلبي نيئاً ، وما العجب في ذلك !!! لا أحد يعود من الموت إلا ليأكل ما تبقى منك ....
أولئك المدعوين الميتون ؛ كانوا جميعاً .. قبل أن يموتوا .. بشراً استثنائيين .. غير اعتياديين .. كأنما هم البشر المثال والبقية صور باهتة أُخذت عنهم دون رغبتهم ، الخيبات الكبرى تأتينا دائماً من أولئك الاستثنائيين فيؤولون بعد كثير من المعاناة والوجع إلى تراب الذاكرة ليطمس الدود ملامحهم في موت منقوص لا يعيد السلام إلى الروح ...
تملأ الذاكرة الكؤوس عن آخرها من دمعي ودمي نبيذاً أبيضاً وأحمر ، فليشرب الجميع نخب الخذلان والخيبات والتجارب المُرة ....

الاثنين، 21 نوفمبر 2016

خفقات أخيرة قبل الموت



- ماذا بك يا حبيب؟ - أريدك أن تكتبيني يا ورد ، أحب أن أرى نفسي في سطورك، اكتبيني بقلم الرصاص الذي لا يصدر أحكامًا بالإعدام على الجمل بتمرير خطوط فوقها، خذي القلم والأوراق يا ورد وهيا أعيدي صياغة حكايتي على مزاج قلمك، ولتكن مسودتك هذه المرة هي نَصَّكِ النهائي، اكتبي ياورد، من أول السطر .... (الخفقة الأولى) حين تضيق بي الأشياء ألوذ بصدر امرأةٍ لا أدركها، إنني لم أجرب النوم يومًا على صدرها؛ على صدر امرأة اصطنع الله قلبي على قياس حبها، حين جربت صدر ألف امرأة سواها اختبرتُ الشتات، وعرفت روحي تيهًا لا طاقة لها به، موقنٌ أنا أن الغفو على صدرها لحظة فارقة لا تحدث في العمر مرتين، وأن الأشياءَ على صدرها تصغرُ وتتلاشى، كأن يولد المرء نقياً من رحم حياةٍ جديدة، على صدرها مثلا لن أسمع نداءات أخي الأصغر الأخيرة فيما قبل الموت بلحظة بينما كان يقاوم لئلا تبتلعه الماء، كان حظ أمي وافرًا حين تسلمت جثمان أخي كاملاً، فقد مات أخي في المسبح حيث لا أسماك تنهشه قبل موسم الموت في عرض البحر بزمان، على صدرك يا ورد لن تزورني أمي في الحلم تحمل سكينًا بيمينها، وتقتص لأخي مني؛ أمي التي قضيت أعوامًا أتجنب النظر إلى عينيها اللتين تتهمانني بقتل أخي الذي لم ألتفت إليه حين كان يتلقفه الموت، وأنا في الجانب الآخر من المسبح، حادثُ سيرٍ كاد يودي بحياتي دفع قلب أمي لكي يتذكر أنني وحيدها الذي تبقى وأنني ابنها وما أنا بقاتل، بكت أمي كثيراً لأجلي أو بالأحرى لأجلها حين كانت تخشى أن تتكرر مآساتها مع فقد أخي من جديد .. مازالت أمي غير آسفة على السنوات التي كفرت فيها بمشيئة القدر واتهمتني جورًا بقتل أخي ....... (الخفقة الثانية) الخامس عشر من آذار/ مارس عام ألفين وأحد عشرة .. حين كنت أغط في الحلم السابع قبل الصحو بساعتين، أرسلت لي ورد من سوريا رسالة نصية قصيرة "لا أستطيع النوم يا حبيب .. إنني أشتهيك" دارت بي الأرض دورتين قبل أن أكتشف أنني مازلت رجلاً بكراً لم يجرب النساء، في الصباح وفيما كنت أغلي كبركان أعلنت نشرات الأخبار أن الجنود تصطف في الشوارع تتوعد بالموت من قالوا (لا) وأن البحر جائع يبتلع الذين هربوا من الموت بالمدافع بينما كانت الأسلحة الكيماوية تنتظر إشارة الهجوم، حين خرجت ورد -خروجًا لحظيًا مؤقتًا- عن الدور المرسوم لها وباحت بما لا يُباح تبعتها الجموع الغاضبة الجائعة إلى الحرية التي كرهت انحناءة الرأس وخرجت عن صمتها الممتد عبر التاريخ، هل يسأل الله ورد عن الآلاف التي ماتت عبثًا حين تبعتها؟! هل يسألها الله عن سوريا؟! ، حين باحت ورد بما لا يُباح دُكت جبال وجفت أنهار واشتعلت الحرب وبدأ تاريخٌ جديد ..... (الخفقة الثالثة) حين أطالع المرآة في الصباح يتسلل إلى قلبي ألم خافت، يأتيني صوت ورد من حيث لا أدري "أحب الشعرات البيضاوات التي تتكاثر على استحياء في رأسك ولحيتك .. أنت وسيم يا حبيب وأنا أغار عليك كثيرًا" أبتسم وأنا ممتن للشيب الذي يدفع ورد الحلوة لمغازلتي .. أبتسم راضيًا عن العمر الذي يولي مسرعًا دون غاية ودون وصول .... (الخفقة الرابعة) أتحسس الشقين القابعين تحت قفصي الصدري مباشرةً بطول عشرة سنتيمترات لكل منهما؛ الشقين اللذين كانا جراء جراحةٍ عاجلة لاستئصال المرارة، واللذين لم تفلح معهما كريمات التجميل باهظة الثمن فبقيا كندبتين أبديتين تذكرانني بآثامي التي اقترفتها في حق جسدي، مايزعجني حقاً هو ردة فعل ورد حين تطالع عري جسدي للمرة الأولى .. هل تقبل ورد ندبتيَّ اللتين أكرههما كثيراً؟! هل تبقى تراني رجلاً يستحق الاشتهاء أم تتحاشى النظر إلى ندبتيَّ في كل مرة أواجهها بجسدي العاري ؟! آآآآآآآآه ياورد لو أن أصابعك تحسست الجرح يومها لتلاشى وزال حين يصيبه قبسٌ من نور قدسيتك، لكنك أين كنتِ؟ وأنا أين كنت؟ وما بيننا كان آلاف الأميال التي تضحك ساخرةً مني ..... قال لي الطبيب إنني -تحت تأثير المخدر- كنت أقول له "توقف عن خداعي يالص أنا أعرف أنك تستئصل ورد من قلبي لا المرارة" هل عاقبني الطبيب بترك ندبتين عمداً على جسدي ليزعجكِ للأبد ياصغيرتي كما أزعجته بكِ؟! (الخفقة الأخيرة) في بطاقة هويتي في أوروبا الاسم لاجيء .. كنت ساذجاً إلى الحد الذي دفعني للزواج بأول امرأة أوروبية تقاسمني الوحدة وكنت قاسياً إلى الحد الذي دفعني إلى تسديد الضربة القاتلة صوب قلب ورد، وحين كانت الأمم المتحدة تعقد اجتماعاتها لبحث الأزمة السورية كنت أنا أهيم على وجهي في الطرقات أتلمس من ورد ريح عطرٍ او أثر قدمٍ، كنت أنا أسلك كل مسلكٍ إلى ورد لأسألها الغفران، وفيما كانت تتمخض الأمم المتحدة لتلد بيان شجبٍ وإدانة، كان قلب ورد يأبى الغفران لعاشق يسبح في ملكوتها دون وجهة، لم تكف الأمم المتحدة عن الدعوة إلى وقف العنف، ولم أكف عن طرق كل باب قد ينفتح بيني وبين ورد، لماذا لا تغفر لي ورد رغم أني أشهد بوحدانيتها في قلبي؟! لماذا تشرب الأرض دمنا ولا تشبع؟! كيف ينام العالم مطمئنا بعد أن يتابع البث المباشر للموت في سوريا على شاشات التلفزيون؟! كيف تنام ورد مطمئنة وأنا أموت؟! - وماذا الآن ياحبيب ؟ - الآن وبعد أن غفرتِ يا ورد، لا شيء إلا الموت ينتظر أمام الباب.. - هات يديك يا حبيب..ثمة حياة بانتظار.

الثلاثاء، 16 أغسطس 2016

الوحيدات في الثلاثين


الوحش الذي يسكن النصف المهجور من الفراش ، المقعد الشاغر على مائدة الطعام الثنائية ، اليد الباردة والكتف التي لا يربت عليها أحد ؛ أشياء ألفتها الوحيدات واعتدنها .

على الشرقيات وهنَّ يستقبلن الثلاثين وحيدات أن يخضنَّ المعارك في النهار لا من أجل شيء إلا البقاء ! نعم البقاء ، إذ قال لهن الشرقيون إنّا تطيرنا بكم لئن لم تتزوجن لنرجمَّنكم وليمسَّنكم منا عذاب أليم .

على الوحيدات أن تضاجعن الوحدة في قعر الليل وأن يراقبن في صمت أول ذبولٍ للجسد الأنثوي المكتمل ... غزو الشيب لحلكة شعورهن ... التجعيدة الأولى التي تشق طريقها في الوجه ، كان على الزمن ألا يترك ندبته على وجه امرأةٍ وحيدة.. كان على الندبة أن تثور على الزمن فيما يحفر هو تجعيدته الأولى .. كان على الزمن أن يقدم لهن قليلاً من المتعة لقاء تلك الندوب الحتمية ، لماذا يُطالبهن الزمن بدفع ضريبةَ حياةٍ لم يذقنها؟!

على الثلاثين ألا ترسل وحوشاً لامرأةٍ وحيدةٍ لتسحق عظامها آخر الليل.. كان عليها مثلاً أن ترسل لها "سانتا كلوزا" مُحملاً بهداياه ؛ أن يفاجئها مثلاً بفستانٍ حريريٍ أبيض مكشوف الساقين والكتفين تتلألأ معه سمرتها كليلٍ تزينه النجمات، لا لا .. مهلاً سانتا.. ما نفع فستانٍ عارٍ لامرأةٍ وحيدة تدسه في خزانة ملابسها ؟! إنه تعويذة سحرية توقظ أشباح الوحدة ليهمسن في أذنها كل ليلةٍ حتى الصباح "ياقلبها يا وحيد ياجسدها المنسي .. ياقلبها ياوحيد ياجسدها المنسي"

ربما من الأفضل ياسانتا أن تقدم لها تذكرة وحيدة الاتجاه إلى أوروبا ... ذهاب بلا عودة ... حيث المنفى  هو المكان الآمن للحزن والوحدة وللضجر واللا شيء .. لربما تتلقفها هناك يد الشغف أو تنتظرها صدفة ما على الشاطيء الآخر من العالم، هناك حيث المرأة الوحيدة في الثلاثين حَدَثٌ اعتيادي لا يهتم به أحد.

على الأشياء كافة أن تترفق بقلب امرأةٍ وحيدة في الثلاثين .. امرأة تتكوم في زاوية الجدار تراقص الظلمة كل ليلة على إيقاع دقات قلبها المنهك المكلوم وتتحسس ندباتها ندبة ... ندبة ... ندبة 

الاثنين، 15 أغسطس 2016

الوحيدات

الوحيدات ...
تبدعن حين تتألمن 
تسطرن الوجع شعرا ونثرا 
وتزرعنه حدائق ورد
برعنَّ في صناعة النبيذ
حين عتَّقنَّ آلامهن

الوحيدات ...
تغزلن المأساة أثواباً للنوم
ترتدينها آخر الليل
وتضعن المساحيق
مساحيق لا يُثني عليها أحد
وتضاجعن الوحدة كل ليلة
الوحدة لا تعانقهن
لا تدفئهن آخر الليل
الوحدة تأكلهن ..
تتركهن لأنياب الشتاء تلتهمهن

الوحيدات ...
تزورهن أشباح الفقد كل ليلة
فقْد من باعوهن للأرصفة
وسرقوا منهن الآمان
ذات يوم
تمثَّل لهن الشيطان رجلاً
ذبحهن حين بالغن في تصديقه

الوحيدات ...
نساء خسرن معاركهن مع الماضي
فقدمهن غنيمةً وافرة للوحدة 
الوحيدات ألفن الموت واعتدنه