في مثل هذا الوقت بتوقيت الوجع كل ليلة تنشط الذاكرة ؛ آلهة المآتم والأعراس ؛ الآلهة الأم لعالم التجارب ؛ الآلهة التي تُحيي من تُحيي في الروح وتُميت من تميت ؛ وحدها الذاكرة تهزم الموت ولا أحد يموت حقاً إلا حين يسقط من الذاكرة ، تنشط الذاكرة استعداداً لمأدبة عشاء تقام على شرفي ، المدعوين جاؤوا جميعا من عوالم آخرى غير مرئية ، يعبرون الخط الفاصل بين عالمي الأحياء والأموات كل ليلة ، ميتون ، لا يتوانى أحدهم عن تلبية دعوة الآلهة الذاكرة ، يصحون من الموت كل ليلة كـ "زومبي" هرب من فيلم أمريكي ، يعبقون المكان برائحة الموت ، أشباحٌ تملأ الليل وحشة أستدعتها الذاكرة من ترابها الأبدي إلى غرفتي لتحولها كل ليلة إلى مقبرة فسيحة تتسع للجميع ، لا مفر من الاختناق برائحة الجثث المتحللة ، أغمض عيني كيلا أراهم وهم يقاسمونني الفراش أو يعبثون بخزانة ملابسي أو يهتكون خصوصية يومياتي .. بلا جدوى .. الظلام يجعل رؤية الأشباح أوضح وأنقى .....
دقت
ساعة الوجع معلنةً اكتمال الحضور ، حضروا جميعا إذن بلا زينة أو مساحيق فالأقنعة
لا تُجدي نفعاً بعد الموت ، حضروا جميعا كلاً بما تبقى لديه من ثوبه الأبيض الوحيد
الذي لا يستر عورات الروح ، تقدمني إليهم الذاكرة لحماً مُستباحاً في أطباق الفضة
الفاخرة ، ذلك الشبح الذي يقف هناك في ركن الذاكرة وحيداً ؛ مات لتوه حتى أن الدود
لم يفرغ منه بعد ، إنه هناك يلتهم قلبي نيئاً ، وما العجب في ذلك !!! لا أحد يعود
من الموت إلا ليأكل ما تبقى منك ....
أولئك
المدعوين الميتون ؛ كانوا جميعاً .. قبل أن يموتوا .. بشراً استثنائيين .. غير
اعتياديين .. كأنما هم البشر المثال والبقية صور باهتة أُخذت عنهم دون رغبتهم ،
الخيبات الكبرى تأتينا دائماً من أولئك الاستثنائيين فيؤولون بعد كثير من المعاناة
والوجع إلى تراب الذاكرة ليطمس الدود ملامحهم في موت منقوص لا يعيد السلام إلى
الروح ...
تملأ
الذاكرة الكؤوس عن آخرها من دمعي ودمي نبيذاً أبيضاً وأحمر ، فليشرب الجميع نخب
الخذلان والخيبات والتجارب المُرة ....





